ما يحب كل مستثمر ملاك أن تعرفة

مايحب كل مستثمر ملاك أن تعرفة

عند البدء في تأسيس شركةٍ ناشئةٍ يبحث رواد الأعمال عن مستثمرين جادين يقومون بدعمهم وتوفير السيولة المالية اللازمة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع حقيقيةٍ، المستثمرون الملائكة هم أولئك المستثمرون الذين لا يقدمون المال فحسب، بل يقدمون التوجيه والنصائح الفعّالة من واقع خبرتهم، لضمان نجاح الشركة وتحقيق أهدافها، ويدعمون الشركات الناشئة التي لا يتحمس لها المستثمرون التقليديون؛ لأن هؤلاء التقليديون لا يرغبون في المخاطرة، ويفضلون دعم مشاريع قائمةٍ بالفعل وتحقق أرباحًا منتظمةً، يعرض هذا المقال أفكارًا وتجارب أحد أهمّ هؤلاء المستثمرين الملائكة، ويقدم رؤيةً تفصيليةً دقيقةً لعملية تمويل المشاريع الناشئة من البداية وإلى النهاية، ومن ذلك يمكنك أن تتعرّف على الطريقة التي يفكر بها المستثمرون الملائكة، مما سيساعدك على كسب ثقتهم والفوز بخدماتهم.

بدأت طريقي في استثمار الملائكة بنصيحةٍ من أستاذي الجامعي؛ إذ كانت نصيحته (لا تعمل أبدًا لصالح شخصٍ آخر، أن هذا هو أقرب شيءٍ للعبودية)… أثرت كلماته على مجرى حياتي، وعندما تخرجت أردت أن أؤسس شركتي الخاصة، واليوم معظم أصدقائي ليسوا سعداء بوظائفهم، بينما جعلتني الحرية التي تتيحها ريادية الأعمال أن اكون سعيداً أشكر أستاذي على نصيحته كل يوم، وبالفعل، خلال مسيرتي الطويلة ساعدت في نجاح الكثير من الشركات الناشئة.

في الحقيقة إنّ النجاح مع المستثمرين الملائكة يتطلب خلق علاقة وثيقة مع المستثمر فهدفك ليس مجرد جمع المال، بل جذب داعمين لمشروعك يصبحون بمثابة عائلتك في العمل، لذا عليك جذب المستثمرين الذين يهتمون بتوافر سمات القيادة والإبداع في شخصيتك إلى جانب اهتمامهم بالجدوى الاقتصادية للمشروع؛ لأن هؤلاء المستثمرين يستثمرون أموالهم في شخصك أنت، ويثقون بقدراتك الخاصة أكثر من ثقتهم بنجاح المشروع.

ولكن احذر أن تكون من روّاد الأعمال المستعدين للتخلي عن سيطرتهم على مشاريعهم لصالح المستثمرين، الذين مقابل منحك التمويل يحددون طريقة العمل واتجاه المشروع، لأن ذلك سيأتي بنتائج عكسيةٍ، لذا تجنب المستثمرين الذين يشككون في قراراتك، ويرغبون في السيطرة على عملك، بدلًا من ذلك، ابحث عن الصفات الآتية في المستثمر في عملك.

المستثمر الملاك هو شخصٌ يقدم أمواله الخاصة في تمويل التشغيل المبكر للمشروع الجديد مقابل نسبةٍ من حقوق الملكية، ويرجع مصطلح “المستثمر الملاك” إلى المستثمرين الذين وضعوا أموالهم في مسرح (برودواي- Broadway) بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان ذلك في الوقت الذي عانت فيه صناعة المسرح، ولكنّ أموال هؤلاء المستثمرين ساهمت في إعادة الحياة إلى هذه الصناعة، بل وكانت السبب الرئيس للإنتاج المسرحيّ الضخم فيما بعد، مما حقق أحلام الكثير من الفنانين، وعلى الرّغم من أن أغلب الشركات الناشئة تفشل، مما يجعل من استثمار الملائكة عالي المخاطرة، إلا أنني فخورٌ بأنني مستثمرٌ ملاكٌ أدعم الأفكار الجديدة التي يمكن أن تغير العالم وتجعله أفضل.

والفارق الرئيس بين المستثمر الملاك ومستثمر رأس المال هو مصدر الأموال التي يستثمرونها، فالمستثمر الملاك يستثمر أمواله الخاصة، بينما مستثمر رأس المال يستثمر أموالًا جمعها من مستثمرين آخرين، ليقوم بتوظيفها، فعلى سبيل المثال مجموعة غولدين سيدز (Golden Seeds) لاستثمار رؤوس الأموال تتكون من مئتين وخمسين مستثمرًا، وتخصص صندوقًا استثماريًّا لدعم مشاريع رائدات الأعمال، وذلك في سبيل تمكين المرأة في المجتمع.

في المقابل، فإنّ رائد الأعمال هو أهمّ عناصر المشروع الناجح، وسماتك الشخصية هي الدافع الأول الذي يجعلني كمستثمرٍ ملاكٍ أرغب في استثمار أموالي ووقتي في مشروعك، فأنت المشروع الذي تحاول إنشاءه، وإن استطعت أن تحول نفسك لعلامةٍ تجاريةٍ موثوقٌ بها فقد حققت النجاح، وهذا هو الخطأ الأكبر الذي يقع فيه رواد الأعمال عند تقديم مشاريعهم، فبدلًا من التركيز على قدراتهم وسماتهم الشخصية التي تلعب الدور الأكبر في إقناع المستثمرين بكفاءتهم، ينغمسون في عرض الإحصائيات والبيانات، إلى جانب هذا الخطأ تجنب أن تعاملني كزبونٍ، أي لا تحاول أن تبيع منتجك لي، وإنما حاول إقناعي بفكرتك وأهمية مشروعك، بعيدًا عن الأخطاء لنتحدث فيما يأتي عن أهمية الحصول على المال الذكي، وكيفية الاستفادة منه في مشروعك الخاصّ.

هناك فارقٌ كبيرٌ بين رائد الأعمال الذي يقبل أيّ نوعٍ من أنواع التمويل لمشروعه، والآخر الذي يسعى لاختيار التمويل المناسب له، ويكمن الفارق الحقيقيّ في اختيار مصدر هذا المال، إذ إنّ رائد الأعمال الناجح يفضل أن يجمع المستثمرين الملائكة من حوله بدلًا من أن يجمع المال من أي مكانٍ، وفي هذه الحالة يكون رائد الأعمال قد اختار ما يطلق عليه “المال الذكيّ”، وهو الذي يأتي من مستثمرٍ واعٍ للمخاطر قام بدراسة المشروع دراسةً وافيةً، بينما المال الغبي يأتي من مستثمرٍ أقرب للمقامر لم يقم بدراسة المشروع بالشكل الكافي، وفي حالة المال الذكي فإنّ رائد الأعمال هنا يحصل على التمويل، بالإضافة إلى الإرشاد والنصح النابع من خبرة المستثمر الملاك.

كمثالٍ على رواد الأعمال الأذكياء عرضت ليلي ليو (lily liu) مشروعها (publicstuff- بابليك ستف) وهي مؤسسةٌ تهدف إلى زيادة المشاركة المدنية في المجتمعات، فتحمس لها ثمانية عشر مستثمرًا، وعرضوا تمويلها ولكنّ ليلي فاجأتهم بالسؤال لماذا اختارك، وأخذ منك التمويل؟ أعجبتني طريقة تفكيرها في اختيار مستثمرين على استعدادٍ للمساعدة بما هو أكثر من المال لتضمن علاقةً مهنيةً مثمرةً، في هذه الحالة، فإنّ “ليلي” لم تختر المال فقط، ولكنّها أرادت اختيار عائلتها المهنية التي ستساعدها على تحقيق النجاح، ومن شروط هذه العائلة أن تثق بها وبمشروعها، وتساندها بالخبرة والإرشاد، ولكن كيف يمكننا الحصول على هؤلاء المرشدين؟

مسرعات وحاضنات الأعمال كلتاهما تدعم الشركة الناشئة بتقديم المنشآت والأجهزة والخدمات القانونية والاستشارية والفارق بينهما أن حاضنة الأعمال تجعل الشركة الناشئة تدفع إيجارًا لاستعمال مكاتبها ومواردها فتشجع رواد الأعمال على الاستمرار معهم لأطول فترةٍ، بينما تتعاقد المسرعات مع الشركات الناشئة بعقودٍ قصيرة المدة لتوفير خدماتٍ مقابل أجرٍ يمثل قيمة استعمال منشآتها وخدماتها، ولا تقدم أيّ دعمٍ بعد هذه الفترة المحدودة.

أما بالنسبة للتمويل الجماعي، فهو نتيجة اجتماع عددٍ من رؤوس أموال مجموعةٍ ضخمةٍ من الناس العاديين لا المستثمرين الذين يضعون مبالغ صغيرةً في تمويل الشركات الناشئة، و يرى بعض المراقبين أن التمويل الجماعيّ هو بديل المستثمرين الملائكة، وهذا ما لا أعتقده رغم أهمية هذا النوع من برامج التمويل، فبينما يقلل التمويل الجماعيّ المخاطرة، لأن رأس المال المستثمر من كلّ فردٍ هو مبلغٌ صغيرٌ نسبيًّا، إلا أنه لا يقدم المشورة والخبرة التي يقدمها المستثمر الملاك، كما أن التمويل الجمعيّ لا يقتصر على الأنشطة التجارية فحسب، بل يقدم الدعم للمجال الخيريّ والمشاريع الفنية؛ ولكن ماذا لو رفض مشروعك من المستثمر الملاك؟

رواد الأعمال الأذكياء يدركون أنهم سيقابلون بالرفض في معظم الأحيان، ولهذا يركزون جهودهم على إقناع مستثمرين أقرب لقبول مشروعهم من خلال دراسةٍ سابقةٍ تخصّ أعمال هؤلاء المستثمرين، ويستعدون جيدًا لإقناعهم بأهمية أفكارهم وجدوى مشاريعهم، ورواد الأعمال يستحقون الإجابة السريعة إن كانت بالرفض أم القبول، بينما تعدّ المماطلة أو إضاعة وقت رائد الأعمال سلوكًا غير أخلاقيٍّ من المستثمرين، خاصةً إذا حسموا أمرهم على رفض المشروع.

وهناك معايير حين أجدها في أفراد الفريق أسارع بقبول المشروع، فمثلًا أريد في أفراد الفريق الذي أستثمر معه أن يتحلّوا بروح الفريق، وأن يمتلكوا شعورًا بالمسؤولية تجاه مشروعهم، حتى وإن كانت الفكرة ليست قويةً، فالفريق القويّ يستطيع تحويلها لمشروعٍ ناجحٍ، لذا عليك أن تحرص على تجنب المحسوبية في فريق عملك، لأنني لن أتعامل أبدًا مع رائد أعمالٍ يوظف أقاربه أو شريكة حياته، فبدء شركةٍ ناشئةٍ أمرٌ معقدٌ بما يكفي، فلا داعي لجلب تعقيدات الحياة الشخصية إلى العمل، والآن، كيف تدرك أنك مستعدٌّ لإطلاق شركتك والتواجد في السوق؟

تعتمد عملية إطلاق الشركة الناشئة على زيادة فرصها في جذب المستثمرين الملائكة، وعندما تكون جاهزًا لبدء العمل الفعلي ستحصل على التمويل أسرع، كما أنّ تمويل الشركة في بدايتها المبكرة ليس أمرًا سهلًا، ولهذا الغرض أحتاج إلى أدلةٍ توضح أن فريق عملك لديه من الكفاءة ما يكفي لتخطي صعوبات المرحلة، إضافةً إلى أنّ تحديد العملاء المحتملين، وسبل استهدافهم من أهمّ هذه العوامل التي تجعلني أتحمس للاستثمار مع فريق شركةٍ ناشئةٍ.

ومن الضروريّ قبل أن تنطلق بمشروعك أن تخطط لأسلوب خروجك من المشروع في الوقت المناسب، فكلّ شركةٍ ناشئةٍ يجب أن تبدأ بخطةٍ للخروج منها، فالمستثمر لا يمول المشروع ليستمرّ كشريكٍ فيه للأبد، ولكن يمول كصفقةٍ تجاريةٍ تحقق ربحًا في فترةٍ معقولةٍ وقبل أن يحاول رائد الأعمال تمويل مشروعه، يجب أن يكون قد خطط للخروج منه، في هذه الأيام يكفي أن يثبت المشروع قدرته على التوسع وامتلاك حصةٍ أكبر من السوق، ليكتسب قيمةً سوقيةً معتبرةً تسمح للمؤسسين والمستثمرين بالخروج بربحٍ جيدٍ، موقع يوتيوب (YouTube) على سبيل المثال اشترته شركة غوغل (google) بمبلغ 1.6 مليار دولارٍ بعد عامين فقط من إنشائه.

في العقود الأخيرة برزت الشركات الناشئة كوسيلة رواد الأعمال، لتحقيق نجاحاتٍ هائلةٍ في مجال الأعمال التجارية، الكثيرون يرون في أنفسهم القدرة على أن يصبحوا رواد أعمالٍ، ولكن هل لديهم القدرة على بذل المجهود اللازم لتحويل أحلامهم إلى حقائق؟ في الواقع، إنّ العمل الحرّ هو أفضل طريقةٍ للتخلص من العبودية وتحقيق الحرية المالية، كما أنّ العلاقة بين رائد الأعمال والمستثمر لا تتوقف عند تمويل المشروع فقط، ولذلك فإنّ رائد الأعمال الناجح يبحث عن تمويلٍ ذكيٍّ لمشروعه من مستثمرٍ يقدر عمله، ويستطيع مساعدته بخبرته، وهناك مسرعات وحاضنات الأعمال والتمويل الجماعيّ، وكلّها تعدّ طرقًا جديدةً وفعالةً لمساعدتك على إنشاء مشروعك، كما أنّ رفض تمويل مشروعك قد يفيدك ويساعد على معرفة أوجه القصور ومعالجتها، وأخيرًا فإنّ أنجح الشركات الناشئة هي التي تعتمد على خططٍ، خاصةً بكلّ مرحلةٍ من مراحل نموّها.

Exit mobile version