مال وأعمال

فن الاكتفاء بالأساسيات في العمل والحياة

فن الاكتفاء بالأساسيات في العمل والحياة

المقدمة

ربّما تريد أن تمارس الرياضة ولا تجد وقتًا في يومك، أو قد ترغب بقضاء وقتٍ أكثر مع العائلة أو الخروج مع الأصدقاء، وأن تتنفس في وسط الضغوطات وتبتعد عن التوتر، لكنّك لا تفلح في ذلك مهما حاولت، لذا أدعو الجميع لعيش حياةٍ أبسط، يكتفون بالقيام بالأعمال بأقلّ جهدٍ ممكنٍ، وذلك بخطوتين وهما: تحديد الأولويات، والتخلص من غير الأولويات، وهذه النصيحة يخبرنا بها “ليو باباوتا مؤلف كتاب قوة الأكتفاء” بناءً على قصتة مع البساطة والاكتفاء كقرارٍ، فعندما وجد نفسة فجأةً منغمسًا في العمل وحدة، أهمل عائلتة ونظامة الغذائيّ، وصحتة الجسدية، وبالطبع لم يكن سعيدًا بهذا، قرر أن يختار البساطة كأسلوب حياةٍ جديدٍ، وبدأ بصبّ تركيزة وطاقتة على هدفٍ واحدٍ وهو ترك التدخين وحقق الأمر الذي جعلة يشعر بأنة المتحكم في حياتة، وأنة قادرٌ على وضع هدفٍ واحدٍ وتحقيقه، واستمر بتطبيق مفهوم “هدفٍ واحدٍ” في حياتة ونجح، ألا ترغب بأن تجرب حظّك أنت أيضًا؟ إذًا فلتنطلق هنا للتعرف على مبادئ البساطة الستة.

انتقِ الأهم وتخلص من كلّ ماهو ثانويُّ لتفعل قوة تركيزك

إن ما نجح به اليابانيون منذ القدم يمثّل مضمون المبدأ الأول للبساطة، إذ أبدعوا في تحقيق مبدأ وضع الحدود، فنراه في الشعر اليابانيّ المسمّى بـ “هايكو” (haiku)، وفيه تتكون القصيدة من سبعة مقاطع صوتيةٍ تكتب بثلاثة أسطرٍ فقط، فيحدد فكرته أولًا ثم ينتقي أقوى الكلمات وأكثرها وصفًا عوضًا عن زيادة عددها.

تعدّ خطوة الانتقاء مهمةً لأنّها تجبرنا على الاختيار من قائمةٍ طويلةٍ أهمّ الأشياء وأكثرها تأثيرًا، لنستطيع بذلك تطبيق المبدأ الثاني للبساطة، وهو اختيار المهمّ في حياتنا، والقدرة على التخلي عن كلّ ما هو ثانويٌّ، ولكن كيف نعرف ما هو المهمّ بالنسبة لنا؟ بأن تسأل نفسك، “ما هو المهمّ بالنسبة لي في هذا الأسبوع أو الشهر أو طوال السنة؟”، و” ما الذي أريده من الحياة؟ ماذا أحبّ؟ وما هو الشيء الذي سيؤثر عليّ إيجابًا من بين قائمة المهامّ؟”.

مثلًا،ماذا لو أن هناك مكالمة عميلٍ ما ستجلب لك مئة دولارٍ، وهناك اجتماعًا ستجني منه عشرة آلاف دولار؟ ما تختاره يعني أنه هو المهمّ بالنسبة لك، ولكن يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الاختيار الذي له تأثيرٌ بعيد المدى، فبالرّغم من أن الاجتماع فائدته أكبر إلا أنّ التسويق بعيد المدى سيضاعف المبلغ، وهذا لا يقتصر على المال، بل على بقية الأمور التي تراها قيّمةً، لا بدّ أن تفرق بين ما تحتاجه بشدّةٍ وبين ما تريده، عندما تحدد ماذا تحتاج ستستبعد ماذا تريد وهذا هو المبدأ الثالث، بعدها عندما تفعّل قوة تركيزك ستكتشف مدى قوة الاكتفاء التي تمثّل المبدأ الرابع للبساطة، وهي ما تدعوك إلى فعل الآتي.

تفعيل التركيز كأداةٍ يجعلك أكثر إنتاجيةً وفاعليةً

ركز على شيءٍ واحدٍ بطاقةٍ أقلّ بدلًا من محاولة إنجاز الكثير باستنزاف طاقتك وإهدارها، وركز على الزمن الحاضر فذلك سيخفف من توترك وقلقك بشأن المستقبل وتحدياته، فمثلًا إياك أن تعمل على أكثر من مشروعٍ في نفس الوقت، فيضيع جهدك هباءً لأنك مشتّتٌ، أما إذا تطلب تنفيذ المشروع أكثر من سنةٍ اعمل على مشروعٍ آخر بجانبه، وقم بتقسيم الهدف الأساسيّ إلى أهدافٍ فرعيةٍ، وهذه الأهداف ضع لها أهدافًا أسبوعيةً تعمل عليها يوميًّا، كي توصلك في النهاية إلى الهدف الأساسيّ.

هل استيقظت من نومك والآن أنت مرغمٌ على مواجهة رئيسك الذي يطلب منك مهامّ لا تنتهي؟ ماذا تفعل؟ ببساطةٍ ابدأ بأكثر المهامّ أهميةً ولا تتوقف إلا عندما تكملها، بعدها خذ استراحةً لتهيئ نفسك للمهمة القادمة، كمية المهامّ التي تنجزها دون أن يكون لها نتائج مؤثرةٌ لا فائدة لها، من الأفضل أن تنجز مهامّ أقلّ بفاعليةٍ وكفاءةٍ أكبر وبتوترٍ أقلّ.

ولكي تنجح في التركيز على مهمةٍ واحدةٍ تدرب على التركيز في جميع نواحي حياتك، ركّز على الحاضر فقط، وأنت تأكل ركز على طعامك، على طعمه وقوامه واستشعر النعمة، قد تتسلل إليك أفكارٌ بشأن المستقبل، لا تتعامل معها بقسوةٍ بل اسمح لها بالعبور والخروج ولا تلم نفسك، ممارسة التأمل ستساعدك أيضًا، أو قم بوضع ملاحظةٍ لتذكرك بما يجب أن تقوم به مثل وضعها على أماكن قريبةٍ منك مثل الثلاجة والمكتب، لكن كن مرنًا وفق ما تدعو إليه الحاجة والمتغيرات من حولك.

لا تتقيد بجدولٍ معينٍ بل كن مرناً للتّمكّن من إدارة وقتك بسلاسةٍ

الحياة لا تسير على وتيرةٍ واحدةٍ، فربّما تنظم وقتك وتضع جدولًا لتلتزم به فيطرأ أمرٌ ما يجبرك على تعديل خططك وهذا طبيعيٌّ، تستطيع أن تكون بسيطًا ومرنًا حتى في تنظيم وقتك، عندما تعرف ما المهمّ بالنسبة لك، فلن تحتاج إلى جدولٍ تتقيد به، عندما تشعر بعدم الرغبة في إتمام مهمّةٍ ما توقف، وقم باختيار مهمّةٍ أخرى تثير بك الشغف والحماسة لدرجة أن تنغمس بها كليًّا، في ذلك الحين قد تتذكر مهمةً أغفلتها، إياك أن تترك ما بيدك وتفعل ذلك، بل دوّن الملاحظة على ورقةٍ وأكمل العمل، ولتبسط عملية تنظيم الوقت، رتب مهامّك على شكل دفعاتٍ، فإذا كنت تريد الاتصال بأكثر من شخصٍ حدد وقتًا للاتصال ووقتًا آخر لإتمام المشاريع دفعةً واحدةً.

واحذر من عدوّ الوقت الأكبر، “الإنترنت”، فقد تتصفح لساعاتٍ دون أن تشعر، ولتتفادى ذلك ضع خطةً لتتعامل معه، حدد سبب استخدامك له، فإن كنت تبحث عن معلومةٍ حدد عشرين دقيقةً كحدٍّ أقصى، والمواقع التي تستمتع بتصفحها وعوضًا عن ذلك عاملها كجائزةٍ، تتبّع واعرف عدد الساعات التي قضيتها والمواقع التي زرتها، وفي كلّ يومٍ خصص وقتًا تقطع فيه اتصالك عن الإنترنت،

وإذا كنت ممن يضيقون ذرعًا من تفقّد البريد الإلكتروني أنصحك بتجنب تفقد البريد صباحًا؛ لأن ذلك سينسيك قائمة أهمّ ثلاث مهام، بدلًا من ذلك تفقده مرتين يوميًّا، وابدأ من الأحدث إلى الأقدم، وعند الردّ التزم بكتابة فقرةٍ قصيرةٍ موجزةٍ فخير الكلام ما قلّ ودلّ، وبعد أن تنتهي احذف الرسالة أو قم بأرشفتها، كما أنني أنصحك بإطفاء إشعارات وتنبيهات الرسائل كي لا تقاطع ما تفعله، والآن حان الوقت للتّعرّف على المبدأ الخامس للبساطة، “لا تخلق عدة عاداتٍ جديدةٍ إيجابيةٍ في نفس الوقت، بل عادةٍ واحدةٍ في كلّ شهرٍ”.

لابأس بخلق عادةٍ واحدةٍ فقط كلّ شهرٍ

من الجميل أن تحاول خلق عاداتٍ جديدةٍ إيجابيةٍ لتساعدك في تطوير نفسك، ولكي تنجح في ذلك عليك أن تتبع طريقتي التي نجحت بجدارةٍ مع الكثيرين وهي: (تحدي الثلاثين يومًا)، فقد ترغب بأن تبدأ بممارسة الرياضة، وتبني نمط حياةٍ صحي، في الشهر الأول ركز على جعل التمارين عادةً تفعلها في وقتٍ محددٍ من اليوم، في الأسبوع الأول تمرّن من خمسٍ إلى عشر دقائق في وقتٍ محددٍ من اليوم، في الأسبوع الثاني زد الفترة لتكون خمس عشرة دقيقةً وهكذا لتصل إلى مدة خمسٍ وعشرين دقيقةً مع نهاية الشهر، ويفضّل أن تكون برفقة أحدٍ ما، في الشهر الثاني وبجانب التمارين انتبه إلى نظامك الغذائي، تخلص من عادة شرب المشروبات الغازية، وزد بالمقابل من أكل الخضار بشكلٍ تدريجيٍّ، ولتستمرّ في ذلك جرّب وصفاتٍ جديدةً، ونوّع بين الأصناف.

من الرائع أنك تستطيع أن تجمع بين تبني نمط حياةٍ صحي وبين المبدأ السادس للبساطة وهو “التمهل والتدرّج بهدف ضمان نجاحك فيما ستنجزه”، تخيّل أنك تستطيع أن تخسر تسعة كيلوجرامٍ أو عشرين باوند سنويًّا بمجرد أن تأكل طعامك ببطئٍ، وذلك لأنّ العقل يعطي إشارةً بالشبع بعد عشرين دقيقةً، فتلذذ بطعامك الصحيّ على مهلٍ واستمتع بهضمٍ أفضل، ولكن ماذا تفعل إذا ضعفت عزيمتك؟ ترغب بممارسة الرياضة ولكنّك تتذكر التعب؟ دون أن تفكر ارتد حذاءك وغادر المنزل وأغلق الباب خلفك وستبدأ، هل أنت ممن يلتزمون إذا كانوا تحت إشراف مدرّبٍ أو ضمن فريقٍ؟ انضمّ لهم، وطبّق ذلك على بقية المهامّ، فإذا أردت إنجاز مشروعٍ ما اقرأ واطلع على نجاحات الآخرين ستتحفز تلقائيًّا.

ولا تنس أهمية أن تعير روتين حياتك اهتمامًا كبيرًا، فهل أنت مثلي تحبّ أن تستيقظ أبكر وتحتسي قهوتك على مهلٍ؟ أم تحبّ الركض في الصباح؟ لماذا من المهم أن نتبع روتين؟ لأنه مفتاح التغيير، إن الاستيقاظ قبل وقت العمل، والاستمتاع بالفطور وتأمل شروق الشمس وممارسة الرياضة، يساعد في تصفية ذهنك ويزيل التوتر، فتصبح مستعدًّا لتحمّل يوم عملٍ طويلٍ، وكذلك الروتين المسائي مهمٌّ بقدر أهمية الروتين الصباحي، ففيه تستطيع التّحدّث مع من تحبّهم، أو أن تعدّ العشاء وترتب البيت وأن تجهز مهام اليوم القادم، وغيرها من الأمور، لا بدّ أنك قد لاحظت أنني لم أذكر تفقد البريد الإلكتروني أو ما شابه لأنّ هذا الوقت مخصصٌ لنفسك، لتستعيد طاقتك وصحتك.

فقرة بارزة “عندما نحاول تولي كلّ ما يأتي في طريقنا، سيتلقى الأشخاص من حولنا رسالةً مفادها أن وقتهم أكثر أهميةً من وقتنا، وأننا سنقول نعم لجميع طلباتهم، بينما إن كانت لدينا قيودٌ صارمةٌ على ما نقوم به، فإننا سنرسل رسالةً مفادها أننا نقدّر وقتنا وأولوياتنا، حينها سيقدّر الآخرون وقتك في المقابل”

الخاتمة

جميعنا مكلفون بعملٍ أساسيٍّ نقوم به يتبعه التزامات الحياة وواجباتها، وعندما توافق على طلب أحدهم تكون قد أضفت التزامًا جديدًا على يومك يستقطعً من وقتك، لذا تعلّم أن تقول “لا” ولا تشعر بالذنب، تتبّع كلّ التزامٍ واسأل نفسك هل له أيّ قيمةٍ في حياتي وإلى أي درجةٍ هو متوافقٌ مع أهدافي؟ وهل ستتأثر حياتي عندما أتوقف عنه؟ عندما تنتهي قم بكتابة أهمّ خمسة التزاماتٍ، لابدّ أن تتوقف قليلًا لتحدد أولوياتك، فقد تمضي بك الحياة وأنت تسير على نفس الوتيرة، وتسأل لماذا أشعر بالفشل والتوتر والضغط النفسيّ ولا أحقّق شيئًا ذا أثر؟ مع قوة الاكتفاء تصبح أقوى على الصعيد النفسي والعملي، وذلك من خلال التحكم في حياتك، فتقرر تحديد مهامّك اليومية ولا تزيد عليها، وعندما تبدأ في العمل على مهمةٍ معينةٍ ابذل جهدك لتركز على إتمامها في أقلّ وقتٍ وجهدٍ وتخلّ عن كونك متعدد المهامّ، وحين ترغب بإضافة عادةٍ جديدةٍ إيجابيةٍ اتبع تحدي الثلاثين يومًا وابدأ تدريجيًّا، وإذا أردت أن توازن بين العمل والوقت الشخصي قلل من التزاماتك، فلا شيء أروع من إنجاز القليل بكفاءةٍ وإنتاجيةٍ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى